البيان الختامي لأعمال ورشة «تقارب المشاريع والرؤى التنموية المستدامة في أفق رؤية ولاية بنزرت 2050»

البيان الختامي

لأعمال ورشة «تقارب المشاريع والرؤى التنموية المستدامة في أفق رؤية ولاية بنزرت 2050»

إعلان خارطة طريق استراتيجية لجهة صامدة ومستدامة

اختتمت، اليوم، بنجاح لافت أشغال ورشة «تقارب المشاريع والرؤى التنموية المستدامة في أفق رؤية ولاية بنزرت 2050»، التي احتضنتها الجهة يومي 15 و16 أفريل 2026، بإشراف والي بنزرت وبمشاركة ثلّة من الفاعلين في مجالات التنمية والبيئة.

وشكّلت هذه الورشة محطة هامة لتعزيز التنسيق بين مختلف المشاريع والمبادرات التنموية، في إطار رؤية استراتيجية تستشرف مستقبل الجهة وتدعم مسارها نحو تنمية مستدامة وشاملة. وقد انتُظمت بدعم من وزارة البيئة، عبر وحدة التصرف حسب الأهداف المكلفة بإنجاز البرنامج المندمج لإزالة التلوث بمنطقة بحيرة بنزرت، وذلك ضمن برنامج «EcoPact» الممول من الاتحاد الأوروبي.

وشهدت الورشة مشاركة واسعة عكست أهمية هذا الموعد التنموي، حيث جمعت نخبة من ممثلي الدولة من الإطارات المركزية والجهوية، إلى جانب المديرين العامين والجهويين، وبحضور متميز للسيدات والسادة أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم، وأعضاء مجلس الإقليم الأول. كما واكب أشغالها المعتمدون، ورئيس المجلس الجهوي ببنزرت، ورؤساء المجالس المحلية، إضافة إلى رؤساء وممثلي المنظمات الوطنية، والكتاب العامين المكلفين بتسيير بلديات ولاية بنزرت.

ولم تقتصر المشاركة على الهياكل الرسمية، بل امتدت لتشمل خبراء وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني، إلى جانب الطلبة وثلة من الصحفيين، في مشهد يعكس تنوع الحضور وثراء النقاش، ويؤكد الطابع التشاركي لهذه التظاهرة الهادفة إلى صياغة رؤية تنموية مستدامة ومندمجة لولاية بنزرت في أفق 2050.

وعلى هامش هذه الورشة، انتظمت مسابقة امتدت على مدى يومين، أضفت حركية مميزة على فعاليات التظاهرة، حيث تنافس فيها 36 طالبا وطالبة يمثلون نخبة من ست مؤسسات جامعية مرموقة: كلية العلوم ببنزرت، والمدرسة الوطنية للمهندسين ببنزرت، والمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية والتعمير، والمعهد العالي للبيئة والعمران والبنيان، والمدرسة العليا لعلوم وتكنولوجيات التصميم، والمعهد العالي لعلوم البحار ببنزرت.

وتمحورت هذه المسابقة حول توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في ابتكار تصورات مستقبلية طموحة لولاية بنزرت في أفق سنة 2050، حيث قدّم المشاركون مشاريع إبداعية عكست وعيا متقدما بالتحديات البيئية والتنموية، وقدرة لافتة على استشراف حلول مبتكرة تدعم مسار التنمية المستدامة بالجهة.

وقد مثّلت هذه الورشة محطة تأسيسية فارقة في مسار صياغة رؤية مشتركة لمستقبل ولاية بنزرت، حيث ارتكزت على مقاربة علمية وهندسية تشاركية، جمعت مختلف الفاعلين حول هدف موحّد. وأسهم هذا التلاقي في توحيد الجهود وتوجيه الإمكانيات المتاحة نحو بلورة مسار تنموي مستدام وعادل، يستجيب لتطلعات الجهة ويواكب رهانات المستقبل في أفق 2050.

وفي هذا الإطار، جدّد المشاركون التزامهم الجماعي بجملة من التوجهات الاستراتيجية التي من شأنها دفع مسار التنمية المستدامة بولاية بنزرت، وفي مقدّمتها تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتكريس المقاربة التشاركية في التخطيط والتنفيذ، إلى جانب دعم الابتكار وتوظيف التكنولوجيات الحديثة، وخاصة الذكاء الاصطناعي، في خدمة المشاريع التنموية.

كما أكّدوا على ضرورة تثمين الموارد الطبيعية والبشرية للجهة، والعمل على حماية المنظومات البيئية، لا سيما بحيرة بنزرت، مع الحرص على تحقيق توازن فعلي بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما يضمن تنمية عادلة وشاملة تستجيب لتطلعات الأجيال الحالية والقادمة.

أولا: تأكيد الرؤية المشتركة

في أفق سنة 2050، تطمح ولاية بنزرت إلى أن تكون نموذجا وطنيا رائدا في التنمية المندمجة، قائما على حسن استثمار مواردها الطبيعية والبشرية ومرتكزا على دعائم الابتكار والعدالة الترابية والصمود البيئي.

وترنو هذه الرؤية إلى ترسيخ تنمية شاملة ومستدامة تضمن الارتقاء بجودة الحياة، وتعزيز كرامة المواطن وتأمين حقوق الأجيال القادمة، في إطار توازن متناغم بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وتجسيدا لهذه الرؤية الطموحة، شرعت ولاية بنزرت في تنفيذ جملة من المشاريع الهيكلية الكبرى، من أبرزها إنجاز الوصلة الدائمة، وربط الجهة بشبكة الغاز الطبيعي، إلى جانب تطوير منظومات التزويد بالماء الصالح للشرب والتطهير والعمل على تحسين الوضع البيئي ببحيرة بنزرت وحماية الشريط الساحلي، وذلك في إطار مقاربة متكاملة لدفع التنمية المندمجة وتعزيز جاذبية الجهة.

وفي هذا السياق، شدّد المشاركون، وفي مقدمتهم عدد من الباحثين ونواب المجالس المحلية والجهوية، على أهمية إرساء دعامة أساسية لهذا التحول التنموي، من خلال إحداث «جامعة بنزرت الجلاء للتعليم العالي والبحث العلمي». وقد تم التأكيد على الدور المحوري المنتظر لهذه المؤسسة لتكون قاطرة حقيقية في تطوير رأس المال البشري، ومحركا استراتيجيا لنمو اقتصادي قائم على المعرفة والابتكار، بما يعزز تموقع الجهة في مسار التنمية المستدامة.

ثانيا: التزامات ودعوات من أجل تفعيل الرؤية

- إننا، كمهندسين ومعماريين ومخططي مدن وخبراء وفاعلين في الشأن العام، نؤكد أن تجسيد هذه الرؤية الطموحة على أرض الواقع يظل رهين توفر جملة من الشروط الأساسية، وفي مقدمتها إرساء حوكمة جهوية حديثة تقوم على النجاعة والشفافية وسرعة اتخاذ القرار، بما يضمن حسن إدارة المشاريع ونجاعة تنفيذها.

- كما نبرز أن المشاريع المهيكلة، في مجالات البنية التحتية والبيئة والطاقة والميناء، تستوجب تسريع نسق الإنجاز، مع ربطها بمنظومة دقيقة للمتابعة والتقييم، تضمن الاستمرارية وتحقق الأثر المرجو. ونشدد في هذا الإطار على أن الاستثمار في الهندسة التونسية يمثل خيارا استراتيجيا يعزز السيادة الوطنية، ويكرّس القدرة على إنجاز المشاريع الكبرى اعتمادا على الكفاءات الوطنية.

- وفي هذا السياق، ندعو السلط العمومية إلى اتخاذ جملة من الإجراءات العملية، من بينها تبسيط المسارات الإدارية وتمكين الجهات من صلاحيات فعلية تعزز اللامركزية، إلى جانب دعم الابتكار الهندسي والتكنولوجي وإرساء إطار قانوني محفّز يكفل حماية الكفاءات الوطنية وتثمينها، بما يفتح آفاقا أوسع لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

- التأكيد على الدور المحوري للأمثلة التوجيهية للتهيئة الترابية باعتبارها أداة استراتيجية لبلورة رؤية شاملة ومندمجة لتنمية المجال الترابي بولاية بنزرت، بما يضمن حسن توظيف الموارد وتوجيه الاستثمار وفق خصوصيات الجهة وإمكاناتها. ويستوجب ذلك تفعيل مضامين الأمثلة الحديثة وتحيين الأمثلة القديمة وفق مقاربات تشاركية تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، مع الحرص على تحقيق الانسجام والتكامل بينها وبين مختلف أدوات التخطيط، وخاصة المخطط التنموي الجهوي، بما يعزز نجاعة السياسات العمومية ويحدّ من التفاوتات المجالية ويدعم مسار تنمية مستدامة ومتوازنة.

ثالثا: إن تحقيق "رؤية بنزرت 2050" لا يمكن أن يختزل في دور الدولة فقط، بل هو مسار جماعي ومسؤولية مشتركة تقتضي انخراطا حقيقيا من كافة مكوّنات المجتمع. فالتنمية المستدامة لا تبنى إلا بإرادة جماعية واعية ومشاركة فعّالة.

وانطلاقا من هذا الوعي، فإننا ندعو إلى:

• انخراط فعلي ومسؤول في مسار التنمية، قائم على المتابعة الجدية والمراقبة الإيجابية والبنّاءة.

• دعم المبادرات المحلية وتشجيع روح الابتكار، باعتبارها محرّكا أساسيا للتغيير والتجديد.

• إرساء شراكات استراتيجية متينة تجمع بين القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يضمن تكامل الجهود وتحقيق الأهداف المشتركة.

إننا نؤمن بأن بنزرت المستقبل تبنى بسواعد أبنائها وبناتها، وبقدرتهم على تحويل التحديات إلى فرص، والرؤية إلى واقع ملموس.

رابعا: يرتكز المسار التنفيذي لتحقيق "رؤية بنزرت 2050" على جملة من الدعائم الاستراتيجية التي تضمن نجاعة التنفيذ واستدامة النتائج، وذلك من خلال:

• مأسسة حوكمة تشاركية فعّالة، تقوم على الشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص في اتخاذ القرار.

• تكريس العدالة الترابية بين مختلف مناطق الولاية، بما يضمن توزيعا منصفا للموارد وفرص التنمية.

• اعتماد تخطيط عمراني حديث ومندمج، يستجيب لمتطلبات النمو ويحافظ على التوازن البيئي والاجتماعي.

• الاستثمار في تطوير رأس المال البشري عبر تحسين جودة التعليم والتكوين وتعزيز الكفاءات.

• تسريع إنجاز المشاريع البيئية والبحثية، دعما للابتكار وتحقيقا للتنمية المستدامة.

• تثمين الاقتصاد الأزرق والدائري، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية.

إن هذه المرتكزات تمثّل الإطار العملي لتحويل الرؤية إلى إنجازات ملموسة، قائمة على الاستدامة والعدالة والابتكار.

خامسا: نؤكد أن المهندس التونسي ليس مجرد منفّذ، بل هو صانع حلول وشريك أساسي في صياغة القرار التنموي، بما يمتلكه من كفاءة علمية وخبرة ميدانية قادرة على تحويل الرؤى إلى واقع.

وعليه، فإننا ندعو إلى:

• تمكين المهندسين من الاضطلاع بدورهم الكامل في مسارات التخطيط والتنفيذ، وتعزيز حضورهم في مواقع القرار.

• دعم الكفاءات الوطنية وتهيئة الظروف الملائمة لاستبقائها، للحدّ من نزيف هجرة العقول.

• تثمين المعرفة الهندسية وتحويلها إلى مشاريع عملية ومبادرات ملموسة تخدم التنمية الجهوية.

إننا على يقين بأن بناء "بنزرت 2050" يمرّ عبر الاستثمار في العقول والكفاءات، وبسواعد تونسية… وبعقول هندسية… نصنع المستقبل.

سادسا: نؤكد أن هذه الورشة لا تمثّل نهاية مسار، بل هي بداية التزام فعلي ومسؤول نحو تجسيد "رؤية بنزرت 2050" على أرض الواقع.

ونعبّر عن قناعتنا الراسخة بأن بنزرت تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون نموذجا وطنيا ناجحا في التنمية المستدامة، وأن هذه الرؤية ليست حلما بعيد المنال، بل مشروعا واقعيا قابلا للتحقيق، متى توفرت الإرادة الصادقة، والتنسيق المحكم، والثقة في الكفاءات التونسية.

إن "بنزرت 2050" لن تبنى بالشعارات، بل بالفعل والإنجاز، وبالهندسة التونسية القادرة على تحويل الطموحات إلى نتائج ملموسة.

معا، سنحوّل الرؤية إلى واقع.

عن المشاركين والمنظمين: عمادة المهندسين التونسيين، هيئة المهندسين المعماريين التونسيين، جمعية مشيدي تونس.

المهندس محسن الغرسي

عميد المهندسين التونسيين