وسط التخوّفات من “الفياضانات” و”العطش” أي إستراتجية لوزارة الفلاحة؟

لقد تسببت التغيرات المناخية التي يعيشها كوكب الأرض في ظهور عدّة ظواهر مناخية متطرفة كالجفاف والفيضانات التي طالت بلادنا خاصة السنة الماضية حيث شهدت تونس موجة فيضانات خلّفت خسائر مادية وبشرية جسيمة أهمها الفياضانات التي عاشتها ولاية نابل في 22 من شهر سبتمبر 2018 .وفي المقابل تعاني عديد المناطق من “العطش” بسبب غياب الماء الصالح للشراب حيث يضطر متساكنو تلك المناطق الى التنقل لكيلومترات بحثًا عن حنفية عمومية أو يجدون أنفسهم أحيانا “يشربون” من الاَبار الأودية وسط تحذيرات من معهد الموارد العالمية من أن تونس ليست في مأمن من خطر نضوب الموارد المائية العذبة حيث صنفها، في تقريره الأخير، ضمن خانة الدول التي تُعاني من خطر التعرض الى شح مائي “مرتفع ” باحتلاها المرتبة 30 من إجمالي 164 بلد قيمها التقرير. فالتونسي ما إنفك بين “مطرقة” العطش” وسندان “الفياضانات” حيث تتفاقم مخاوفه مع قدوم مواسم الامطار وأصبح “الغيث النافع” مصدرا للقلق بدل أن يكون مصدرا للاستبشار والفرح بـ”صابة” وافرة فالراسخ في ذهنه هي صورة الطرقات المقطوعة وحركة المرور المعطلة والمنازل والمدارس الغارقة والمحاصيل الزراعية المتلفة هذه الصورة “المرعبة” التي يأمل أن تمحى من ذاكرته وان تنجح بلاده في تحقيق التوازن بين حماية المواطنين والبنى التحتية من خطر الفياضانات وترشيد استهلاك مخزون الموارد المائية المهدد بما يجعله وأبنائه في مأمن من خطر “العطش”.

إذا ومع انطلاق العد التنازلي لفصل الشتاء وسط توقعات بموسم ممطر تتبادر إلى أذهاننا عدّة مسائل أهمها إستعدادات وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري لموسم الأمطار المقبل وحجم مخزوننا من الموارد المائية وأسباب غياب الماء الصالح للشراب في عديد المناطق كل هذه التساؤلات وغيرها أجابنا عنها المهندس حمادي الحبيب مدير مكتب التخطيط والموازنات المائية بوزارةالفلاحة الذي كان لنا معه الحوار التالي:

  • تعرف بلادنا خلال السنوات الأخيرة ظاهرة الأمطار الموسمية الناتجة عن التغيرات المناخية، فماهي إستراتيجة وزارة الفلاحة في تعبئة الموارد المائية؟
  • –           لقد تسبّبت التغيرات المناخية في ارتفاع درجات الحرارة في بلادنا بمعدّل 10 درجات بين سنتي 2018 و2019 ومع أن نسبة الأمطار تقريبا لم تتغير إلا أن التغيرات المناخية تنتج عنها ظواهر طبيعية متطرفة كالجفاف والفياضانات وفي الوزارة نعمل على التنسيق بين مختلف الهياكل المختصة المتدخلة في المياه (الإدارة العامة للسدود، الإدارة العامة لنقل المياه، مكتب التخطيط والموازنات المائية، إدارة الموارد المائية)من أجل تعبئة أكثر موارد مائية وحماية المناطق المجاورة للأودية من الفيضانات وذلك بالاعتماد على محطات قياس مركزة عن بعد 30 أو 40 كم من السد تقوم بتعديل مستوى المياه داخل السدود، وقد انطلقنا هذا العام بمخزون مائي جيّد حيث تحتوي السدود (37 سدّا) على 1 مليار و441 مليون متر مكعب اي ما يمثل 64 % من المخزون المائي الذي يقدّر بـ 2 مليار و250 مليون متر مكعب مقارنة 835 مليون متر مكعب سنة 2018.
  • لقد انطلقت وزارة الفلاحة في الاستعدادات لموسم الأمطار منذ شهر جويلية وذلك عبر عقد اجتماعات على المستوى الوطني للتنسيق بين مختلف الهياكل المتخصصة في المياه وفي الولايات عبر التنسيق مع السلط الجهوية لضمان حسن الإستعداد البشري واللّوجستي لموسم الأمطار والقيام بعمليات صيانة وفحص للمعدات والاَليات وموافاة الوزارة بتقارير في الغرض.كما طالبنا الهياكل الوطنية بإجراء زيارات ميدانية في الجهات للوقوف مدى تقدم الاستعدادات.
  • ·         “لديها مخزون مائي جيد” في المقابل  تعاني عديد المناطق من غياب الماء الصالح للشراب في عدة مناطق من ولايات الجمهورية؟ !
  • الإمكانيات المائية موجودة لكن اَليات النقل والمعالجة متوفرة بصفة محدودة الأمر الذي يجعل صعوبة في نقل المخزون المائي إلى المناطق المستحقة، والتزويد بالماء الصالح للشراب يقسم إلى قسمين قسم تكفل به الشركة التونسية لاسغلال وتوزيع المياه (الصوناد) وقسم تتقاسمه “الصوناد” مع الإدارة العامة للهندسة الريفية عن طريق الجمعيات التنموية. والمشاكل التي تعيشها بعض هذه الجمعيات يترتب عنه انقطاع الماء الصالح للشراب.
  • وهنا يمكننا العودة على ما حصل خلال عيد الإضحى من انقطاع للماء على عديد الجهات نتيجة حدوث إختلال بين العرض والطلب حيث ارتفع الطلب بـ 19 % مقارنة بنفس الفترة سنة 2018 مع إتفاع بـ10 درجات حرارة مقارنة بنفس السنة. وكنّا سنتجنّب انقطاع المياه لو تم تركيز خزّانات إحتياطية.
  • عند حدوث الفياضانات نتحدث عن دائما “أطراف المقصّرة” وعن هيكل وطني مختص في تصريف مياه الأمطار فهل لدينا في تونس هذا الهيكل؟
  • لا ليس لدينا هيكل مختص في تصريف مياه الأمطار بل لدينا لجان مجابهة الكوارث وهي موجودة على النطاق الوطني والجهوي وتضم جميع المتدخلين، فالتصدي للفياضانات في السدود والأودية من مهام وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري وفي نطاق المدن هو من مهام وزارة التجهيز. ويعتبر حسن التنسيق وتوفير المعلومة الحينية بين مختلف الأطراف المتدخلة ( وزارة فلاحة وزارة تجهيز المعد الوطني للرصد الجوي الحماية المدنية…) أفضل وسيلة لمجابهة هذه الظاهرة الطبيعية الفجئية والحد من خسائرها فقبل حدوث الفياضانات التي عاشتها ولاية نابل في 22 سبتمبر 2018 أعلن المعهد الوطني للرصد الجوّي أن معدل الأمطار سيكون 40 مم في حين بلغت أكثر من 270 مم إذا فالمعطى الحيني والدقيق مهم جدّا لضمان حسن الإستعداد.
  • تونس تصنف دورة فقيرة من حيث الموارد المائية فماهي سياسية وزارة الفلاحة في ترشيد الإستهلاك
  • أولا لنبدأ بتوضيح مصطلحي الفقر والمائي والشح المائي:

الفقر المائي: 1000 متر مكعب في السنة لكل مواطن

الشح المائي: 500 متر مكعب في السنة لكل مواطن

وتوجد تونس تحت معدل الشح المائي  بمعدل 450 متر مكعب في السنة للمواطن في المقابل نجد معدل استهلاك مرتفع بين 120 و140 لتر يوميا مقابل 50 لتر يوميا للمواطن في بعض الدول الإفريقية، إذا فالحل هو ترشيد الإستهلاك وهنا عملت وزارة الفلاحة على اعداد ومضات تحسيسية ومنشورات كما تعمل على تشجيع الفلاح على إستعمال تقنيات الإقتصاد في الماء عبر المساهمة بـ60% من كلفة المعدّات بالإضافة إلى التوجه نحو مشروع تحلية مياه البحر، رغم كلفته الباهضة،  خاصة في المناطق قليلة الموارد على غرار جزيرة جربة التي احدثت بها محطة وهناك 4 محطات طور الإنجاز بقابس وسوسة وصفاقس وقرقنة. كما نعمل على تركيز خزّاني مياه بكل من السعيدة بتونس العاصمة وبالقلعة الكبرى بسوسة لاستعمالهما وقت الحاجة.

  • ارتفعت في السنوات الاخيرة نسبة استهلاك المواطن التونسي  للمياه المعلبة، وحديث عن أن الماء الصالح للشراب في تونس غير صالح للشرب؟
  • حسب رائيي تفاقم ظاهرة استهلاك التونسي للمياه المعلّبة هي ظاهرة “إستهلاكية” بامتياز فمياه “الصوناد” صالحة للشراب ومن المستحيل ان تمثل خطرا على صحّة المواطن وتخضع دائما للمراقبة والتحاليل والمخبرية اللاّزمة.

للنشر